gototopgototop
Get Adobe Flash player
شارك على الفيس بوك
عدد المشاهدات: 348

مفهوم العدالة الانتقاليّة: يقول هيجل في تفسير بحث الإِنسان عن الحقيقة: «وسوف يظلّ البحث عن الحقيقة يُوقظ حماسة الإِنسان ونشاطهُ ما بقي فيه عِرْق ينبضُ وروح تَشعر». فما بالك حين تبحث الضَّحيةُ عن الحقيقة؟ لعلّ ذلك يختزل في الكثير من ثناياهِ فكرة العدالة الانتقاليّة ومجال اختصاصها ونطاق عملها.

إِنَّ تحقيق العدالة الانتقاليّة هو السّبيل الوحيد الَّذي يضمن تحقيق العدالة والإِنصاف للضحايا، وفي نفس الوقت يفتح الطّريق لتحقيق المُصالحة الوطنيّة، التي بدونها ستكون البلاد عُرضةً لمزيد من الاحتراق وإِراقة الدِّماء، والتي سيقف وراءها الانتقام بكُلّ تأَكيدٍ.
ونستطيع أَنْ نقول إِنَّ المُصالحة هي شكلٌ من أَشكال العدالة الانتقاليّة الَّتي تكون ضروريّةً لإِعادة تأسيس الوطن على أُسُسٍ شرعيّة قانونيّة وتعدّدية وديمُقراطيّة في الوقت ذاتهِ.
تعريف العدالة الانتقاليّة: من خلال كُلّ ما سَبَقَ استطيع أَنْ أَقول إِنَّ العدالة الانتقاليّة هي مجموعةُ الأَساليب والآليّات الَّتي يستخدمها مجتمعٌ ما لتحقيق العدالة في فترةٍ انتقاليّة في تاريخهِ، تنشأُ هذه الفترة غالبا بعد اندلاع ثورة أَو انتهاء حرب يترّتب عليها انتهاء حِقبة من الحُكم السُّلطويّ القمعيّ داخل البلاد والمرور بمرحلةٍ انتقاليّة نحو تحوّلٍ ديمقراطيّ، وهنا وخلال هذه الفترة الانتقاليّة يواجه المُجتمع إِشكالية هامّة جِدًّا، وهي التَّعامُل مع قضايا انتهاكات حقوق الإِنسان سواء كانت حقوق جسديّة أَو اقتصاديّة أو حتّى سياسيّة.
أَو من المُمكن أَنْ نقول إِنّها عبارة عن فترة أَو مرحلة ما بعد الأَزمات (الثّورات) ويُقصد بها العدالة الَّتي تنتقل بالمُجتمعات من حالاتِ الصِّراع إِلى حالةِ التَّوافق والسّلام وصولًا إِلى نظامٍ دِيمُقراطيّ يمنع تَجدّد الصِّراعات.
إِنَّ مجال العدالة الانتقاليّة أَو مُواصلة العدالة الشّاملة أَثناء فترات الانتقالِ السِّياسيّ يَهْتَمُّ بتنمية مجموعة واسعة من الاستراتيجيّات المُتنوّعة لمُواجهة إِرث انتهاكات حقوق الإِنسان في الماضي وتحليلها وتطبيقها عمليًّا بهدف خلق مُستقبل أَكثر عدالة وديمُقراطيّة، وفي الجانب النَّظريّ والعمليّ تَهْدِفُ العدالة الانتقاليّة إِلى التَّعامُل مع إِرث الانتهاكات بطريقةٍ واسعةٍ وشاملةٍ تتضمّن العدالة الجنائيّة وعدالة إِصلاح الضَّرر والعدالة الاجتماعيّة والعدالة الاقتصاديّة. وهي بالإِضافةِ إِلى ذلك اعتقادٌ مفادهُ أَنَّ سياسةً قضائيّة مسئولة يجب أَنْ تتضمّن تدابير تتوخّى هدفًا مُزدوجًا وهو المُحاسبة على جرائم الماضي والوقاية من الجرائم الجديدة مع الأَخذ في الحُسبان الصِّفة الجماعيَّة لبعض أَشكال الانتهاكات.
تطوّر فكرة العدالة الانتقاليّة: رغم حداثة مفهوم وتطبيق العدالة الانتقاليّة إِلَّا أَنَّ البعض يُرْجِعُ بدايات تطبيقاتها الأُولَى إِلى ما بعد الحرب العالميّة الثّانية في مُحاكمات نورمبرج في ألمانيا، وهي من أَشهر المُحاكمات الَّتي شهدها التَّاريخ المُعاصر، والَّتي قامت بمُحاكمة مُجرمي الحرب من القيادةِ النَّازِيّة.
ثُمّ كانت البداية الحقيقيّة لِمَا يُمكن أَنْ يُسمّى تطبيقًا للعدالة الانتقاليّة في مُحاكمات حقوق الإِنسان في اليُونان في أَواسط السّبعينات من القرن الماضي، وبعدها في المُتابعات للحُكم العسكريّ في الأَرجنتين وتشيلي من خلال لجنتي تقصّي الحقائق في الأَرجنتين عام 1983م وتشيلي في عام 1990م، ومن بعد ذلك في العديد من دُول القارة اللّاتينيّة.
تُركّزُ العدالة الانتقاليّة على الأَقلّ على خمسةِ أُمور هامّة لمُواجهة انتهاكات حقوق الإِنسان الماضية:-
أَوّلًا: المُحاكمات سواء كانت المدنيّة أَو الجِنائيّة، الوطنيّة أَو الدّوليّة، المحلّيّة أَو الخارجيّة.
ثانيةً: البحث عن الحقيقة، وتقصّي الحقائق سواء من خلال تحقيقاتٍ رسميّة وطنيّة مِثْل لِجَانِ الحقيقة أَو لِجان التَّحقيق الدّوليّة أَو آليّات الأُمم المُتّحدة أَو جهود المُنظّمات غير الحكوميّة.
ثالثًا: جَبْر الضّرر سواء من خلال التّعويض الرَّمزيّ أَو العينيّ أَو إِعادة التّأهيل.
رابعًا: الإِصلاح المُؤسّسيّ، بما في ذلك الإِصلاحات القانونيّة والمُؤسّسيّة، وإِزاحة مُرتكبي الأَفعال من المناصب العامّة، وإِقامة تدريب حول حقوق الإِنسان للمُوظّفين العُموميّين.
خامسًا: إِقامة النُّصب التِّذكاريّة وتأْسيس ما يُسمّى بالذَّاكِرةِ الجماعيّة.