gototopgototop
Get Adobe Flash player
شارك على الفيس بوك
عدد المشاهدات: 263

Nasralla20org_smallيعود الفضلُ في تخصيص يومٍ للاحتفال بالأُمِّ في العالَم العربيّ إِلى مِصر، وتحديدًا إِلى الصَّحفيّ الرَّاحل «علي أَمين» الَّذي أَسَّس جريدة «أَخبار اليوم»، حيث كان لهُ مقال يوميّ، اقترح من خلالهِ فكرة تخصيص يوم للأُمِّ كتعبيرٍ عن شُكرها وتقديرٍ لأَفضالِهَا. عندما لاقت هذه الفكرة استحسان القُرّاء قاموا بالمشاركة في تحديد التَّاريخ، فاُخْتِير يوم 21 مارس ليكون عيدًا
للأُمّ مع بداية فصل الرّبيع بما يحملهُ هذا التَّاريخ من مدلولاتٍ جميلةٍ. احتفل المِصريون بأَوّل عيد أُمّ سنة 1956 لتنتشر الفكرة في بُلدان الوطن العربيّ، ومنها سُوريا الَّتي قرّرت عام 1988 تحويلهُ إِلى عُطلةٍ رسميّة في الدَّولة.

بات ليوم الحادي والعشرين من مارس/آذار مدلولًا اجتماعيًّا وهو «عيد الأُمّ» ومدلولًا علميًّا وهو «الاعتدال الرّبيعيّ» حيث يتساوى اللّيل مع النّهار. أَما ما يُمكن تسميته بالمدلولِ الكنسيّ، فهذا ما سأَشرحهُ باستفاضةٍ فيما يلي. إِنَّ ما سبق ذِكرهُ فيما يخصّ 21 مارس هو كلامٌ مدروسٌ تمّ التَّحقق من صحّتهِ بالرّجوع إِلى مصادرٍ علميّةٍ وتاريخيّة مُوثَّقة، أَمَّا ما سيأْتي فهو خُلاصةُ أَفكارٍ وكلامٍ شخصيّ بحت نابع من خبرتي المُتواضعة كأُمِّ وكزوجةِ قسيس، خبرة في كلتا الحالتين لَمْ تَتَعدَّى عقدًا من الزَّمن، لكنّي خلالها توصّلتُ إِلى حقيقةٍ تَعَذَّر عليّ إِنكارها، وهي أَنَّ أَوجه التَّشابُهِ ما بين القسوس والأُمّهات أَكثر مِمَّا يُمكننا توقّعه.
إِنَّ شُغل القسيس هو عملٌ بأَجرٍ مدفوعٍ، ولكنَّ الرّاتب الشَّهريّ لا يُمكن مُقارنتهُ إِطلاقًا مع الجُهدِ الَّذي يبذلهُ القسيس 24 ساعة في اليوم لمدّة 7 أَيّام في الأسبوع، وذلك ببساطة لأَنَّ «شُغلانة» القسيس ليست وظيفةً بالمعنى التّقليديّ للكلمة، وإِنَّما هي شكلٌ من أَشكال الخدمة والتَّضحية والتَّطوّع، هي دعوة ورسالة أَكثر منها مِهْنَة بِمُتطلّباتٍ أَكاديميّة مُعيّنة وخبرةٍ ما تَفِي بالغرض للقيام بالواجب على أَتمّ وجه. ولو فكّرنا بالمنطق نفسهُ سنرى أَنَّ الأُمهات لا تَتقاضى أَيّ أَجرٍ لكونهن أُمَّهات، ولكن كُلّ واحدةٍ منهم تعمل على مدار السَّاعة فتوفّر مبلغًا ماليًّا ضخمًا كُلّ شهرٍ، بمجرّد أَنَّها تقوم بنفسِها بكافّة مسؤوليّات الأُمّ، والَّتي كان من المُمكن تقسيمها إِلى وظائفٍ تتوزّع على عدّة أَفراد بأَجرٍ شهريّ أَوْ يوميّ، تقوم الأُمُّ بها جميعها مُنفردةً ومجّانًا دون أَيّ عائدٍ ماديّ، فَكُلّ ما تفعلهُ الأُمّ هو أَيضًا خدمة وتضحية وتطوّع.
كُلٌّ من الأُمّ والقسّ في نظر النّاس وقتهم «فاضي» إِذ يتساءل الجميع عمّا يفعلهُ القسّ طوال اليوم، كُلّ ما عليهِ هو تحضير عِظة يوم الأَحد والقيام ببضعة زِيارات ومُكالمات تليفونيّة إِضافةً إِلى زِفافٍ هُنَا وجنازةٍ هُناك. ونفس التّساؤل يدور حول الأُمِّ، ماذا بها فاعلة طوال نهارها في المنزل؟ بعض التّنظيف وإِعداد طعام الغداء ورُبّما غسيل القليل من الملابس. هذا جزءٌ من الحقيقة بينما الحقيقة الكاملة هي أَنَّ الأُمّ والقسّ يقومانِ بِكُلِّ شيءٍ داخل المنزل وخارجهِ، داخل الكنيسة وخارجها، إِلى درجةِ لا يجد فيها أَحدهما مُتّسعًا من الوقت لكي «يحك رأْسهُ». وعلى الرّغم من قِصَر أَسمائهم حيث يتكوّن كلاهما من حرفين «أُمّ» و»قسّ»، إِلى أَنَّ كِلَاهما هو العمود الفِقريّ الَّذي يُبقي «المُؤسّسة» قائمة سواء كانت أُسرة أَم كنيسة. ولمعرفة مدى أَهمِّيَّة الأُم والقسّ علينا فقط أَنْ نُجرّب غيابهما أَسبوعًا من الزَّمن أَو مُدّة أَربع وعشرين ساعة فقط لا غير، لنرى عدد الأَشخاص الَّذين يجب تجنيدهم للقيام بما كانت الأُمُّ تقوم بِهِ وحدها ولسدّ كُلّ الثَّغرات الَّتي تركها القسّ لمُجرّد غيابهِ.
ليس لدى الأُمّهات اختصاصٌ مُعيّن أَو نقطة قُوّة، حتَّى وإِن كانت الأُمّ قد تخرّجت من أَرقى الجامعات بدرجةِ البكالوريوس أَو الماجستير أَو حتّى الدّكتوراه، فهي في النّهاية ستصبح، بل وستجد نفسها مُجبرةٌ أَن تكون خبيرةً في كُلِّ شيءٍ. اختصاصات الأُمّ تشمل كونها طبّاخة وعاملة نظافة وجليسة أَطفال ومُدرِّسة ومُمرّضة وسائقة ومُهرّجة ومُعالجة نفسيّة وخبيرة حلّ نزاعات... وكل ما إِلى هُنالك من مهمّات تفرضها عليها الأَحداث الرّاهنة دائمة التّغيّر في دويلتها، ناهيك عن اهتمامها بأُنوثتِهَا ومظهرها وفكرها وثقافتها الخاصّة. ليس لدى القساوسة اختصاصٌ مُعيّن أَو نقطة قُوّة، فَهُم يتخرّجون في أَرقى كُليّات اللّاهوت بدرجة البكالوريوس أَو الماجستير أَو حتّى الدّكتوراه، ولكن فور انخراطهم في خدمة الرِّعاية الكنسيّة فهم يتحوّلون تلقائيًّا إِلى اختصاصيي إِدارة ومشورة ووعظ وتعليم وتأديب وزِيارات وحلّ مشاكل وصِناعة سلام، إِضافة إِلى سِعَةِ المعرفة الكتابيّة والتّاريخيّة والسّياسيّة واللّغويّة والإِلمام بالقضايا المُعاصرة وكُلّ ما يخطر ببالِ المرء. أَحيانًا في كنيستنا عندما يتعطّل المِصعد يتّصل النّاس بزوجي!
تتمتّع مُعظم الوظائف بقوانين تُقنّن ساعات العمل فتحدّدها في أَوقات «دوام» معروفةٍ، يعود بَعْدها المُوظّف إِلى منزلهِ فيكون «في البيت»، قد نَستثني الأَطبّاء المُناوبين وبعض المهنِ القليلة كرجالِ الشُّرطة والجيش والإِطفاء مع العلم أَنَّهُ حتّى في حالة هؤلاء فإِن أَعمالهم تَخْضَعُ إِلى جدولٍ «يَتَنَاوبُون» فيهِ على كونِهم مُتاحين طيلة ساعات اليوم، ليلًا نهارًا، فلا تقع المسؤوليّة على عاتق واحدٍ منهم مُنفردًا. أَمَّا الأُمّهات والقسوس فليس لديهم وقت لانتهاءِ العمل، ساعات «الدّوام» مستمرة على الدّوام، فلا إِجازات ولا عُطَل ليلًا أَو نهارًا، صيفًا أو شتاءً، هم دائمًا «مُناوبون» ومهامهم اليوميّة تُغطّي ساعات اليوم كُلّه عدا عن المُؤتمرات والسَّفر للقسوس، ومرض الأَطفال والحالات الطّارئة للأُمّهات، وهذه كُلّها تُجْبِرُ الحياة على التّوقُّفِ، وتدفع المرء إِلى التّكريس الكامل، الأَمر الَّذي سيدوم لمُدّةٍ قد تَقْصُر أَو تطول.
كمُّ الإِرهاق البدنيّ والفِكريّ ذاك غير محسوبٍ إِذا ما قُورن بالاستنزاف العاطفيّ الّذي يُعاني منهُ القسوس والأُمّهات طواعيةً. فالأُمّ ترى أَبناءها يكبرون أَمام عينيها، فتارةً تُراقب هُمومهم تَكبر رُويدًا رويدًا لِتَفُوق قاماتهم، وطورًا تطير لِتَحْلُم معهم ولهم أَحلامًا كبيرةً، حتّى وإِن انطبق على بعضهم مَثَل «القرد بعين أُمِّهِ غزال» فَهُمْ بِلَا استثناء فَلَذَاتُ كبدِهَا والشُّغل الشَّاغل لروحِها وكيانها سواء في مرحلةِ الطُّفولةِ حيث يجمعها بهم سقفٌ واحدٌ، أو في مرحلة العشِّ الفارغ حين تُغرّد لهم في صلواتها المسموعة والمكتومة. ولو نظرنا بِتَمعُّنٍ إلى القسّ لرأيناهُ يمسح دموعهُ إِثر بكائهِ مع الباكين، وتَكْبر ابتسامتهُ عندما يفرح مع الفرحين، فهموم رعيّتهِ وقضايا أَفرادها تُثْقِلُ كاهلهُ أَثناء لَهْجِهِ بِهَا نهارًا وليلًا، يحلم لهم أَحلامًا كبيرةً ويعتني بقاماتهم الرُّوحيّة لأَنَّه يُحبّهم بقلبٍ صادقٍ وبأَحشاء الرَّاعي الصَّالح، فيرتبط بهم بحبلٍ سُرّيّ بالكاد يُرى، ليشهد بأَنَّ هذا القسّ لهو «رَجُلٌ بِحَسَبِ قَلْبِ الله».
لذا، بناءً على ما تَقدّم، أَوِدُّ أَنْ أُهْدِي هذا المقال إِلى زوجي أَوَّلًا، كما أُهديهُ إِلى كُلِّ القسوس الَّذين أَعرفهم والَّذين لا أَعرفهم. ثانيًا أُهديه إِلى كُلِّ الأُمَّهات اللّواتي هُنّ أُمّهات وزوجات قسوس في آنٍ واحدٍ معًا، لِأَنَّ الإِنسان الَّذي تتلخّص حياتهُ في إِنكار الذّات لرعاية الآخرين والاعتناء بهم عندما يتزوّج من إِنسانٍ آخر حياتهُ هو الآخر تتلخّص في إِنكار ذاتهِ لرعاية الآخرين والاعتناء بهم فإِنَّ ما يُمكن توقّعهُ هو أَنْ يكون الأَبناء في تلك الأسرة -ثمرة ارتباطٍ كهذا- أَكثر المخلوقات تَلَقِّيًا للرِّعايةِ والاعتناء في العالَمِ بأَسرهِ، ولكن العكس هو الصَّحيح، فالأَمر يتطلّب قدرًا كبيرًا من الوعي والعمل الشّاق لخلق مناخ صحيّ في المنزل يَحْمِي فيه الرّاعي (القسيس) والرّاعية (زوجة القسيس) أَبناءهما من النّتائج السّلبيّة الحتميّة الَّتي يَتَرَّأس قائمتها الإِهمال والانشغال عنهم بمسؤوليّات الرِّعاية.
هُناك جُملٌ مألوفةٌ نسمعها في مجتمعنا تُعبّر عن سُوءِ فَهْمِ الرِّجال للأُمومة أَو عدم الاعتراف بها والامتنان لها بالقدر الكافي: «لِمَاذَا أَجِدُ زوجتي مُرهقةً طوال الوقت؟»، «إِنَّ الاعتناء بالأَبناء والقيام بمسؤوليّات البيت وإِدارة المنزل لأَمور سهلة، ولكن زوجتي تُضخّم الموضوع»، «لقد كانت زوجتي تتوق طيلة حياتها أَنْ تُصْبِح أُمًّا، وها هي الآن دائمةُ التَّذمّر والشّكوى!» وكي لا أَكون مُجحفةً فَهُناك رِجالٌ يُقدّرون بالفعل تعب زوجاتهم، لكنَّ الحقيقة تظلّ في النِّهاية أَنَّ الأُمّ وحدها قادرةٌ على فَهْمِ وتَفهّم تحدّيات أُمٍّ أُخرى، شريكتها في الكفاح. فوحدها -مَنْ ذاقت تفاصيل الأُمومة من لوعةٍ وروعةٍ- الأَقدر على تقديم التّعاطُف والمُساعدة لمثيلتها. وبنفس الطّريقة، فإِنَّ القسيس وحدهُ وزوجة القسيس هُما فقط الأَكثر قُدرة على فَهْمِ وتفهّم تَحدّيات الحياة والخدمة الكنسيّة لعائلةِ قسيس أُخرى، شريكتهم في الكفاح، خاصّةً إِذا وَصَلَ بهم الإِخلاص والأَمانة والتّقوى والتّكريس في الخدمة إِلى أَقصى درجاتهِ.
وإِلى أَنْ أَجد عددًا كافيًا من القُرّاء، أَسوةً بقُرّاء علي أَمين، تعجبهم «فكرة» تخصيص يومٍ للاحتفال بالقسوس نُسمّيه «عيد القسيس» فنحدّد لذلك تاريخًا تكون فيهِ مِصر الدّولة الرّائدة في أَخذ خُطوات عمليّة كي يَرى «عيد القسيس» النُّور، إِلى ذلك الحين هَلُمّ بنا نُقدّم كُلّ الامتنانِ والحُبّ للأُمّهات والقسوس ونَحتفي بكليهما معًا مُعبّرين عن شُكرنا لله، لأَنَّهُ أَمطرنا بكُلّ تلك البركات عندما منحنا قُسوسًا وأُمّهاتٍ في حياتنا سنقدّر أَفضالهم ونتمثّل بهم ما حيينا.