gototopgototop
Get Adobe Flash player
شارك على الفيس بوك
عدد المشاهدات: 285

Gorg Shakerسَطَرَتْ ريشةُ الوحي المقدُس معجزةَ شفاءِ مجنون كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ في(مَتّى َ8: 28- 34، مَرْقس 5: 1- 20، لُوقا 8: 26- 39).
والجدير بالذِّكر أَنَّ مَنْ يَعْقِدُ مقارنةً بين ما سجّلتهُ الأَناجيل في سردِ وقائع هذه المعجزة يرى أَنَّ الرَّبَّ يسوع شفى الإِنسان الَّذي بِهِ لجئون بحسب رواية البشير متَّى في كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ، وشفاهُ على ما رَوى مَرْقُس ولُوقا في كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ، ويظنُّ البعض أَنَّ في ذلك شُبهة تناقض، والحقيقة هو أَنَّهُ على

مسافةِ عشرة كيلو مِتْرَات من بُحيرةِ طَبَرِيَّة قامت مدينتان كبيرتان، هما مدينة جدره، ومدينة جِرجسة، فأَطلق البعضُ على المنطقةِ اسم مدينةٍ منهمَا، وأَطلق الآخرون اسم المدينةِ الثَّانية، فمكان المعجزة إِذًا هو كُورَةُ الْجَدَرِيِّينَ أَو كُورَةُ الْجِرْجَسِيِّينَ.
وقال البشيرُ متَّى إِنَّ المسيح شفى مجنونين، بينما ذكر مُرقس ولُوقَا أَنَّه شَفَى مجنونًا واحدًا، وحاول البعضُ أَنْ يُصوّروا أَنَّ في هذا أَيضًا شُبهة تناقض كمحاولة ٍللتَّشكيكِ في صِحَّةِ الكتاب المقدّس.  
والحقيقةُ أَنَّ المسيح شفى مجنونين ذكرهما متَّى، ولكن مُرقس ولوقا اكتفيا بذكرِ الأكثر شُهرة منهما، ولو أَنَّ مُرقس ولوقا قالا: إِنَّه لَمْ يُشْفِ إِلَّا مجنونًا واحدًا لكان هذا تناقضًا، وهذا ما لَمْ يحدثْ.   
المهم أَنْ مَنْ يدرس هذه المعجزة بعنايةٍ فائقةٍ يكتشفُ أَنَّها ثريَّةٌ بالكنوزِ الرُّوحيَّة، أَذْكُرُ منها الآتي:
أَوَّلًا: الخاطئ مُعسكرٌ للشَّياطين
عندما جاء الرَّبُّ يسوع إِلى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ وخرج من السَّفينة للوقتِ استقبلهُ إِنسانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ «فَسَأَلهُ:»مَا اسْمُكَ؟». فَأَجَابَ قَائِلًا:»اسْمِي لَجِئُونُ، لِأَنَّنَا كَثِيرُونَ.» (مَرْقُس5: 9).
ولجئون اسْمُ فرقةٍ عسكريَّةٍ أَو كتيبة من الجنود الرُّومان يبلغ عددها ستَّة آلاف جندي. وهذا معناهُ أَنَّ هذا الرَّجل كان مسكونًا بفرقةٍ كاملةٍ من أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحيَّة، أَو كان مُعسكرًا للشَّياطين احتلوهُ احتلالًا كاملًا وسيطروا عليهِ بالتَّمامِ، والْغُوا شخصيّتهُ ودمَّرُوها، وأَضحى شيطانًا في هيئةِ إِنسانٍ.  
ياه... !! كم من إِنسانٍ سَلَّم حياتهُ لعدوِّ الخير، فَأَضْحَى يعيشُ على الأَرضِ كشيطانٍ في صُورةِ بشر، ينطبق عليهِ ما قالهُ الرَّبُّ يسوع في يومٍ مِنَ الأَيَّام لليهود فِي (يُو8: 44) «أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَواتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا».
  وما قالهُ عن الْإِسْخَرْيُوطِيّ «أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرتُكُمْ، الِاثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!» (يُو6: 70)؟!. قال هَذَا عَنْ يَهُوذَا سِمْعَان الْإِسْخَرْيُوطِيّ لِأَنَّهُ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُسَلِّمَهُ.
 نَعَمْ! عندما لا نكون أُمناء في وكالتِنَا لإِلهنا، ينطبق علينا ما قالهُ بُطْرُس لِحَنَانِيَّا «لِمَاذَا مَلَأَ الشَّيطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ الحَقلِ؟» (أَعْ5: 3).
وعندما نفعل الخطيَّة بدون اكتراثٍ لوصايا الله، ونشرب الإِثمَ كالماءِ نكون مِثْل القدّيس أُغسطينُوس الَّذي اقْتَرَفَ كُلَّ أَشكالِ وأَلوانِ الخطيَّة والرَّذيلة، وكتب في مُذكَّراتهِ يقول: «لَقَدْ عَلَّمتُ الشَّيطانَ خطايا» وفي هذا كناية على أَنَّه وصل في الشَّرِّ إِلى مداه، فأَضحى أَكثر مِنَ الشَّيطانِ في الشَّرِّ.
ثانيًا : لا شيء يحدُثُ إِلَّا بإذنِ الله  
في هذه المُعجزة تُصوّر لنا عدسة الوحي المقدّس سُلطانَ الله على الأَرواح الشِّرِّيرة، وهذا ما نراهُ بوضوحٍ في حالة الفزع والهلع الَّتي أَصابت الشَّيطان فمكتوبٌ في (مَرْ5: 6، 7) «فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ، وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: «مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ؟ أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي!». وَنراهُ في مطلب الشَّيطان عندما أَمرهُ الرَّبُّ يَسُوع بحسمٍ وحزمٍ أَنْ يخرج من الإِنسان على الفور . مكتوبٌ»فَطَلَبَ إِليهِ كُلُّ الشَّيَاطِينِ قَائِلِينَ: «أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوعُ.» (مَرْ5: 12، 13).
يا لرَّوعة الوحي المُقدّس وهو يُسجّل كلمة «فَأَذَنَ». قد لا تتوقّف عندها كثيرًا وهي في سياقِ النَّصِّ، ولكنَّها لها معناها الكبير ومَغْزَاها العميق، كَلِمَةٌ هامّةٌ جِدًّا، فهي تَعْنِي أَنَّ إِلهنَا هو صاحبُ الكلمةِ العُليا في كُلِّ شيءٍ.
نَعَمْ! نحن نؤمن أَنَّ الشَّيطان إِذا أَراد أَنْ يُحاربَنا، فالأَحداثُ والتَّجارب الَّتي يُصمّمها ضدّنا لابُدَّ أَن يَعْرِضَها أَوَّلًا على الله لكي يحصلَ منهُ على إِذنٍ بها، وإِذَا لَمْ يُصرّحْ لهُ الله بها، فمن المستحيل أَنْ يُنفَّذَ شيئًا منها، فالحدثُ قبل أَنْ يأْتينا لابُدَّ أَن يَمُرَّ على إِلهِنَا أَوَّلًا ليأخذ منهُ تأشيرةَ جواز مرورهِ ووصولهِ إِلينا.
 أَليس هذا ما حدث مع أَيُّوب؟! فمكتوبٌ «فَقَالَ الرَّبُّ للشَّيطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ.» (أَيُّ1: 12، 2: 6)؟!.  
لقد أَدرك أَيُّوب أَنَّ تجربتهُ صِنَاعةٌ شيطانيَّة لكنَّها بسماحٍ من الله، لأَنَّ جوازَ مرورِها إِليهِ يَحْمِلُ توقيع الرَّبِّ، ولو كان الله لم يسمح بهذه التَّجربة لهُ ما كانت قد وصلت إِليهِ أَبدًا. لهذا قال»أَ الْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لَا نَقْبَلُ؟» (أَيُّ2: 10).
نَعَمْ! مَا يَسُرُّنا أَنَّ إِلهَنَا هو صاحبُ السُّلطان... الْخَيرُ صناعتهُ، والشَّرُّ بإِذنٍ منهُ، ومهما كان مَصْدَرُ الشَّرِّ إِنسانًا أَو شيطانًا فهو دائمًا لخيرنا، وسيفاجأ ويُذهل الشِّرِّير عندما يرى أَنَّ شَرَّهُ بنا قد تحوَّل لخيرِنَا، كيف لا؟! أَلم يُعْلِن يُوسف هذه الحقيقة عندما قالَ لإِخوتهِ «أَنْتُمْ قَصَدتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيرًا.» (تك50: 20).
يا لهُ مِنْ أَمرٍ يُطمئنا عندما نعلم أَنَّ لا شيء يحدث إِلَّا بإِذنٍ منهُ، إِلهنا هو الَّذي يسمح بالتَّجربةِ، وهو الَّذي يُحدّد متى تكون؟! وكيف تكون؟ فهو صاحبُ الكلمة الأَخيرة والنِّهائية والخاتمة.
ثالثًا: الأَنانيّة تَحْرِمُنَا من مُشاركة الآخرين في أَفراحهم   
هذه المعجزة واحدةٌ من معجزتين أَجراهما الرَّبُّ يسوع نتج عنهما ضرر ماديّ، عندما لعن التِّينة غير المثمرة (مَتَّ21: 20). وعندما أَهلك الخنازير، ولعلّ هذا يجعل البعض يتساءل في حيرةٍ: أَما كان يُمكن للرَّبِّ يسوع أَنْ يُجري معجزة الشَّفاء دون أَيَّة خسارة للثَّروةِ الحيوانيَّة؟
بالطَّبع كان يستطيع، ولكن لا شَكَّ أَن هُناك قصدًا سماويًّا لما حدث، فإِهلاكُ الخنازير ينبهُ النَّاس أَنَّ في تربيتِهَا كسرًا لشريعةِ مُوسَى (تَثْ14: 8).
وأَراد الرَّبُّ يسوع أَن يُنقذهم من محبّتهم للمال الَّتي كانت تفوق محبّتهم للشَّريعة، وأَراد أَن يُخلّصَهُم من تفكيرِهم الأَنانيّ الَّذي خَلَا من التَّعاطُفِ والتَّراحم مع المريض الَّذي شفاه.
وقد استخدم الرَّبَّ يسوع الوسائل الرَّمزيَّة لإِعلانِ حقّهِ الإِلهِيّ، فلقد لَعَنَ شجرةَ التّين ليدينَ النِّفاق، وهُنا أَدان النَّجاسة، فلقد اعتبر النَّاس في ذلك العصر الخنازير رمزًا للشَّهوات والفساد، وكان اليهود يُشبّهون السِّكير بالخنزيرِ المتمرغ في الوحلِ القذر.
هذا ومن ناحيةٍ أُخرى يرى البعضُ من المفسّرين أَنَّ الرَّبَّ يسوع أَراد أَن يُحرّرَ هذا الإنسان من مُعسكر الشَّياطين الَّتي احتلّتهُ ودمّرتهُ وحوّلتهُ إِلى بقايا إِنسان، وعندما طلبت منهُ الشَّياطين قَائِلينَ: «أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا» فَأَذِنَ لهُمْ يَسُوعُ للوقْتِ. فخرجَتِ الْأَرواحُ النَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ. وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَينِ، فَاخْتَنَقَ فِي الْبَحْرِ.» (مَرْ5: 12، 13).
لقد انْدَفعتْ الْخَنَازِيرُ إِلى البحر بسبب تأثير الفزع الَّذي أَصابها فأَهلكت نفسها، فلا يكون الرَّبُّ يسوع هو الَّذي أَهلكها، وإِنَّما بشاعة فِعل الشَّياطين بها هو الَّذي دفعها للدَّمارِ والهلاك، وهذا ما يفعلهُ الشَّيطانُ باستمرارٍ، فهو كما قال الرَّبُّ يسوع عنهُ في (يُو8: 44) «ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا للنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، ... لِأنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ».
بالرّغم من كُلِّ هذا كُنَّا نَظِنُّ أَنَّ أَهل كُورَة الْجَدَرِيِّينَ عندما يرون هذه المعجزة، ونتيجتها الْمُبهرة ستغمرهم فرحةٌ عارمةٌ، ويتقدّمون للرَّبِّ يسوع بجزيل الشُّكر، وأَعمق التَّقدير، على صنيعهِ العظيم، إِلَّا أَنَّهُ من المؤسف يَسْطُرُ الوحي «وَأَمَّا رُعَاةُ الْخَنَازِيرِ فَهَرَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ. فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى. فحَدَّثَهُمُ الَّذِينَ رَأَوْا كَيْفَ جَرَى لِلْمَجْنُونِ وَعَنِ الْخَناَزيِرِ. فَابْتَدَأُوا يَطْلُبُونَ إِلَيهِ أَنْ يَمْضِي مِنْ تُخُومِهِمْ.» (مَرْ5: 14- 17).
ياه! إِن أَنانيّة أَصحاب الخنازير وولعهم الشَّديد بمكاسبِهم المادِيَّة نزعت من قلوبِهم كُلَّ المشاعر الرَّحيمة والجميلة، وحرمتهم من مُشاركة الإِنسان الَّذي شُفِي فرحتهُ بالشِّفاء، بل أَكثر من ذلك جعلتهم يطلبون من الرَّبِّ يسوع بأَسلوبٍ مُلوّثٍ بالجحودِ والنّكران أَن يمضي من تخومهم.  
رابعًا: شَاسِعٌ الفرق الَّذي يصنعهُ المسيح في حياتنا
إِنَّ مجنون كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ صورةٌ طبق الأَصل لِكُلِّ إِنسانٍ خاطئ قبل أَن يلتقي بيسوع، فلقد فَقَدَ عقلهُ وتفكيرهُ السَّليم واغْتَرَبَ عن نفسهِ، وابتعد عن أَهلهِ، واتَّخذ من القبورِ مكانًا لهُ.
ومن المعروف أَنَّ الأَموات هُم الَّذين مكانهم ومقرّهم القبور، والخاطئ هو إِنسانٌ ميّتٌ بالذُّنوب والخطايا (راجع أَف2: 1) «فَالشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ.» (مّزْ34: 21)...»وَأُجْرَةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوتٌ.» (رُو6: 23).
ولقد كان مجنونُ كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ يُعذّب نفسَهُ ويجرّحها بالحجارةِ، والخاطئ بسلوكهِ السَّيئ الْمُشين يَقْتَرِفُ أَعمالًا تُدمّر حياتَهُ، ويُعذّب بها نفسهُ، فالشَّرُّ هو سِرُّ العارِ والمرارةِ والانهيار والدَّمار.
أَليست الخطيَّة هي الَّتي طردت آدم وحوَّاء من الجنَّة؟! (تك3: 23، 24)... أَلم تقلع الخطيَّة عيني شمشون وقيّدتهُ بسلاسلٍ من نُحاسٍ فكان يطحن في بيت السِّجن (قُضَ16: 19- 21)؟!.
   أَلم تُصوّر عدسةُ الوحي الملك بيلشاصّر عندما تَكبَّر وتجبَّر وارتفع قلبهُ أَنَّه انحطَّ عن كُرسيِّ ملكهِ ونزعوا عنهُ جلالهُ، «وَطُرِدَ مِنْ بَينِ النَّاسِ، وَتَسَاوَى قَلْبُهُ بالْحَيَوانِ، وَكَانَتْ سُكْنَاهُ مَعَ الْحَميرِ الْوَحْشِيَّةِ، فَأَطْعَمُوهُ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بنَدَى السَّمَاءِ.» (دَانِيَآل5: 20، 21).
ولا شَكَّ أَنَّ مجنون كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ عندما كان يخرج من القبور ويُحاول أَن يقتربَ ويتعامل مع الآخرين، كان مصدرَ إِزعاجٍ وقلقٍ لهم... فهل لَكَ أَن تتأمَّلَ منظرهُ، أَو شكلَ ملابسهِ، أَو طريقةَ كلامهِ، أَو كيفيَّة اقترابهِ من النَّاسِ؟! بالتَّأكيد كانت النَّاس تخاف منهُ، وتحاول أَن تبتعدَ عنهُ خوفًا أَن يُؤذيها، لقد كان أَهلُ كُورتهِ لا يعاملوهُ كمريضٍ يحتاج للمُساعدة والمساندة بل عاملوهُ كحيوانٍ هائجٍ ووحشٍ كاسرٍ فَقيّدوهُ بالسَّلاسل، والخاطئ كم هو مُزعجٌ للآخرين، وفي مرَّاتٍ كثيرةٍ يُسبّب الأَضرار لِمَنْ يتعامل معهم ولاشَكَّ في أَنَّ مجنون كُورَةِ الْجَدَرِيِّين كان يُواجه السُّخرية والاستخفاف مِنَ النَّاس، واستهزاء وازْدِراء الأَطفال بِهِ، فلا عجب أَنْ نرى النَّاس تَسْخَرُ وتتهكم على تَصرُّفات الإِنسان الخاطئ، ولكن بعد أَنْ الْتَقَى مجنونُ كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ بالرَّبِّ يسوع تغيَّرت حياتهُ إِلى مائة وثمانين درجة كما يقولون، فَيذكُرُ الكتاب في (مَرْ5: 15) «وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَنَظَرُوا الْمَجْنُونَ الَّذي كَانَ فِيهِ اللَّجِئُونُ جَالِسًا وَلَابِسًا وَعَاقِلًا، فَخَافُوا».
لقد أَضْحَى (جالسًا) وهي صورةٌ لشخصٍ في حالة هدوء وسكينة وسلام، جالسًا يستمع لتعاليم الرَّبِّ يسوع الَّذي سبى قلبهُ بحبِّهِ، وبِقُدرتهِ المعجزِيَّة، ونعمتهِ الْمُخلّصة.  (وعاقلًا) يُفكِّر بأسلوبٍ صحيحٍ، ويستطيع أَنْ يَتَّخِذَ القرار الصَّائب والمناسب، (ولابسًا) لقد ارتدى ثيابًا جديدةً واسْتَرَدَّ إِنسانيّتهُ واسْتَعَاد كرامتهُ مثل الابن الضَّالّ عندما عاد من الْكُورَةِ البعيدة، ومثل يَهُوشَع الكاهن العظيم وقد انْتُزِعَتْ ثيابهُ القذرة، وارتدى ثيابًا مُزخرفة (راجع زَكرِيَّا ص3، لوقا15).
خامسًا: واجبنا أَنْ نَشهدَ بما صنعهُ الرَّبُّ معنا  
بعدما أَجْرَى الرَّبّ المعجزة أَراد الرَّجل أَن يُعبّرَ عن تقديرهِ وامتنانهِ للرَّبِّ يسوع فَطَلب منهُ أَن يتبعهُ أَيّنما يذهب، لكنَّ السَّيِّد قالَ لهُ: «اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرهُمْ كمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ». فمَضَى وابْتَدَأَ يُنَادِي فِي الْعَشرِ الْمُدُنِ كمْ صَنَعَ بِهِ يَسوعُ. فتعَجَّبَ الجميعُ.» (مَرْ5: 18- 20).
في يقيني أَنَّ المنبر الأَوَّل للمؤمن يجب أَن يكون بيتهُ وأَهلهُ، وهذا ما نَتعلّمهُ مِمَّا قالهُ الرَّبُّ يسوع للإِنسان الَّذي شفاه.
فهل من المنطلق أَن ينطلق المؤمن ليخدمَ ويشهد هُنا وهُناك قبل أَنْ يُقدّمَ الرِّسالة إِلى أَهلِ بيتهِ؟!
في يقيني أَنَّ الوحي المقدّس عندما يقول إِنَّ لِيديَّة «اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا.» (أَعْ16: 15). لا يُوجد تفسير لذلك إِلَّا أَنَّها بعد أَن آمنت كانت قُدوةً طيّبةً لأَهلِ بيتِهَا أَوَّلًا، حتَّى أَنَّهم قَبلُوا الرَّبّ أَيضًا.
وعندما قال بُولُس وَسِيلَا لِسَجَّان فيلبّي «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيتِكَ.» (أَعْ16: 31)، هذا ليس معناهُ أَنَّ إِيمانهُ يُخلّص أَهلَ بيتهِ مُباشرةً، ولكن تفسيرهُ أَنَّ حياتهُ الجديدة، وقدوتهُ الصَّالحة ستكون مُؤثّرةً ومُثمرةً في خلاصِ أَفراد أُسرتهِ أَوَّلًا.
والسّؤال الَّذي يطرح نفسهُ هل يُمكن للمؤمن أَنْ يهدأَ أَو يهنأَ وواحدٌ من أَهلِ بيتهِ بعيدًا عن المسيح؟ فهل يُمكن أَن نَتخيّلَ في قصّة نوح على سبيل المثال (تك6- 10). لو أَنَّ نُوحًا بَعْد أَنْ أَغلقَ الْفُلكَ وبدأ الطُّوفان، الْتَفت ولم يجدْ أَحدَ أَفرادِ أُسرتهِ داخل الفُلك، ماذا سيكون شعورهُ؟ كم سيشعر بالأَلمِ والحزنِ؟
إِن اعتقادي الرَّاسخ أَنَّ المؤمن الحقيقيّ يسعى بكُلِّ طريقةٍ دون هُدنةٍ أَو هوادةٍ حتَّى يطمئنَ أَنَّ كُلَّ أَفرادِ أُسرتهِ داخل فُلكِ النَّجاة الرَّبّ يسوع.
نَعَمْ! كما نُخبر الآخرين عن طبيبٍ شفى مرضًا جسدِيًّا، يجب أَن نخبر عن الرَّبِّ يسوع الَّذي طَهَّرنا من خطايانا، ويَشْفينا من أَمراضنا الرُّوحيَّة.
 كتب الشَّاعر الايرلندي «أُوسكار وايلد» قصَّةً قصيرة تخيَّل فيها أَنَّ الرَّبَّ يسوع في يومٍ من الأَيَّام ذهب إِلى إِحدى المدن، ورأى سكِّيرًا مُضطجعًا في أَوَّل الشَّارع سألهُ: «لِمَاذَا تُهْلِكُ صحّتكَ وحياتك في الإِدمان؟ فأَجابهُ: « كُنْتُ مريضًا فَشَفَيتني ولَمْ أَجدْ ما أَفعلهُ بصحَّتِي فأَدمنتُ».
ثُمَّ ذهب الرَّبُّ يسوع إِلى شارعٍ آخر فرأى شابًّا يسير وراء امرأةٍ خاطئة، فسألهُ: «لماذا تُدمّر حياتك في الفساد والدَّنس؟! أَجابهُ: «كُنْتُ أَعمى ففتَّحت عينيّ، فماذا عَسى أَن استعملَ عينيّ في غَيْرِ ما أَفعلهُ الآن؟».
ثُمَّ رأَى الرَّبُّ يسوع عجوزًا جالسًا على الأَرضِ يبكي، فسألهُ: «لِمَاذا تَبْكي؟ فأَجابهُ: «لَقد أَحيتَنِي من الموت، فماذا تَنْتَظر أَنْ أَفعلَ غير البُكاءِ والرِّثاء على حالي؟!» هذه القصّة الْمُؤلمة تُذكّرنا بكثيرين مِمَّنْ يأْخذون بركات الله، ويسيئون استخدامها، وكم نشكر الله لِأَنَّ مجنون كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ لم يَكُنْ مثل هؤلاء، ولكن بعدما اختبر نِعمة الشِّفاء، أَخذ يشهد ويُخبر كيف أَحدث الرَّبُّ تغييرًا عجيبًا في حياتهِ.
ويَبْقَى السُّؤال وأَنْتَ ماذا يَا تُرى فَعلتَ بعد أَنْ اخْتبرتَ نِعمة الحياة الجديدة في المسيح؟!.