gototopgototop
Get Adobe Flash player
شارك على الفيس بوك
عدد المشاهدات: 246

RefaatFekry1إِنَّ الإِنسان مُنذُ بدء الخليقة يخاف الموت، ويرتعبُ منهُ، حيث أَنَّ الموت هو الحدث الوحيد الَّذي لم تجدْ لهُ البشريَّةُ حلًّا أَو عِلاجًا، على الرّغم من التَّفوّق العلميّ المُذهل، الَّذي وصل إِليهِ الإِنسانُ، ولكنَّ السَّيِّد المسيح هو الَّذي استهزأَ بالموتِ، وأَفقدهُ قيمتهُ

وهزمهُ بقيامتهِ من بين الأَموات، إِذْ حوَّل الموت المُرعب المخيف إِلى قنطرةِ عُبورٍ ذهبيَّة، تَعْبُرُ بالإِنسانِ إِلى حياةٍ أَبديَّةٍ خالدةٍ مع الله. لقد قام السَّيِّدُ المسيح ظافرًا مُنتصرًا على الموت، كاسرًا شوكتهُ، مُحطِّمًا رهبتهُ؛
فأَصبح القبرُ مَمَرًّا بَدَلًا من أَنْ يكون مَقَرًّا، لقد قام المسيحُ، وبقيامتهِ انتصر الحقُّ على الباطل، والخيرُ على الشَّرِّ، والحُبُّ على الكراهية، والسَّلامُ على الخِصامِ، وبقيامتهِ المجيدة أَعاد المسيحُ الرَّجاء إِلى اليائسين، والسَّلام إِلى الخائفين، بقيامتهِ أَعاد الثِّقة إِلى المُتشكّكين، والأَمل إِلى الفاشلين. إِنَّ السَّيِّد المسيح بميلادهِ الْعَذْرَاوِيِّ دَخَل دُنيانَا من بابٍ لم يُفتحْ إِلَّا لهُ، وبقيامتهِ المجيدة من الموتِ، خرج من عالَمِنَا صاعدًا إِلى السَّماءِ من نافذةٍ لم تُفْتَحْ لسواهِ، حقًّا إِنَّهُ الوجيهُ في الدُنيا والآخرةِ، إِنَّهُ القُدُّوس، الَّذي لم يستَطِعْ الشَّيطانُ أَنْ يَمَسَّهُ، فهل يُمكن أَنْ يكون الثَّرى هو النِّهاية لِمِثْلِ هذه الحياة السَّامية؟!! وهل يُمكن أَنْ يكون القبر هو النِّهاية لِمِثْلِ هذه الحياة الرَّاقية الرَّائعة؟!! بالطَّبع كلَّا، فلو لم يَكُنْ المسيح قد قام فهذا معناهُ أَنَّ الموت استطاع أَنْ يقضي نهائيًّا على أَجملِ وأَحسنِ حياةٍ ظَهَرَتْ في الوجود!! لِذَا عندما مات السَّيِّدُ المسيح لم يَكُنْ من الطَّبيعيّ أَنْ يَسْتَمِرَّ مائتًا، وهو الَّذي قال عن نفسهِ: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ، فهل من المنطقيّ أَنْ نَبْحَثَ عن الحيِّ بين الأَموات؟!! وهل من المعقول أَنْ ينتصر الموت -مَلِك الأَهوال- على مَلِكِ المُلُوكِ ورَبِّ الأَربابِ؟!! وهل يُمكن لقبضةِ الموت أَنْ تُمْسِكَ بمَنْ قال عن نفسهِ: أَنَا هُوَ الْحَيَاةُ؟!! وهل يمكن للحياةِ أَنْ تضيع في مَتَاهَاتِ القبور؟!! وهل يُمكن لظُلمة القبر أَنْ تحجب مَنْ قال عن نفسهِ: أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ؟!! هل يُمكن أَنْ ينتصر الظَّلامُ على النُّورِ؟!! وهل من المنطقِ أَنْ يقف الحجر الشَّامِخ، الَّذي أَوصدوا بِهِ القبر حائلًا أَمام صخرِ الدُّهور؟!! وهل من المعقول أَنْ يمنع الحُرَّاسُ الشَّمسَ من الشُّروق؟!! وكيف للحقدِ أَنْ ينتصر على الحُبِّ المُتجسّد؟!!
لقد قام المسيحُ، وقيامتهُ هي دعوةٌ للحُرِّيَّةِ، إِنَّهُ جاء ليُحرّر الإِنسانَ من خطاياهِ ومن تَعَصُّبِهِ وعُنصريَّتِهِ ورفضهِ لأَخيهِ في الإِنسانيَّة، لقد أَعلن السَّيِّدُ المسيح أَنَّهُ لا فرق بين ذكرٍ وأُنثى، ولا تفرقةَ بين إِنسانٍ وآخر على أَساسِ اللَّون أَو الدِّين أَو الجِنْسِ، وإِذا كانت قيامةُ المسيح لتحريرنا وخلاصنا من الشُّرور والآثام؛ لذا فليس من المنطقيّ أَنْ يحتفل الكثيرون بقيامتهِ وَهُمْ لَا يزالون مَوْتَى في قُبور الخطايا، كما أَنَّهُ من غير المعقولِ أَنْ يحتفل المُؤمنون بقيامتهِ وَهُمْ لَا يزالون يُمَارِسُونَ التَّمييز على أَساسِ الجِنس!!
فَاطِمَة نَاعُوت» وحُرِّيَّة التَّفكيرِ والتَّعْبِير
عِنْدَمَا كَتَبَ المُفكّر الفرنسيّ «چان چاك رُوسُّو» كتابًا تحت عنوان «العقد الاجتماعيّ»، اختلف معه المُفكّر الفرنسيّ «فُولتير» اختلافًا بيّنًا، ولم تَعْجبْهُ بعض الآراء، ومع ذلك قال لَهُ: «إِنِّي أَختلف معكَ في كُلِّ كلمةٍ تقولها، ولكنَّنِي على أَتمِّ الاستعدادِ بأَنْ أُضحي بحياتي كُلِّها، حتَّى تَمْلُكَ الحُرِّيَّة، فَتَقُولُ ما تُرِيد»!! هذا ما قالهُ فُولتير لروسُّو مُنذ قُرونٍ خَلَتْ، فعلى الرّغم من اختلافهِ الشَّديد معهُ، إِلَّا أَنَّهُ لم يُهاجِمهُ، ولم يُحاول أَنْ يَقْصِفَ قلمهُ، أَو يمنع كِتابهُ، ولم يُجبرهُ على التَّرَاجُعِ أَو الاعتذار عمَّا كَتَبَ، ولم يُقدّم فيهِ بلاغًا، تذكّرت ما قالهُ فُولتير عندما قرأتُ عن مُحاكمةِ الأَديبة والكاتبة الصَّحفيّة المُتميّزة الأُستاذة «فاطمة ناعوت» بسبب البلاغ الَّذي تقدَّم بِهِ ضدّها أَحدُ المحامين للنَّائب العامّ، يُطالب بالتَّحقيق معها بسبب تدوينةٍ لها عَبْر صفحتِها الشَّخصيَّة على موقع التَّواصُل الاجتماعيّ «الفيس بوك»، تحت عنوان «كُلّ مذبحةٍ وأَنْتُمْ بِخَيرٍ» وعبَّرت نَاعُوت في هذه التَّدوينةِ عن رفضَها لذبح الحيوانات في عيدِ الأَضحى، وقد أَحال النَّائِبُ العامّ البلاغَ إِلى محكمةِ الجُنح للمُحَاكمةِ بِتُهْمَةِ ازْدِرَاء الأَديان.
إِنَّ «فَاطِمَة نَاعُوت» كإِنسانةٍ وكاتبةٍ وأَديبةٍ، لها مَا لها وعليها ما عليها، ومن حقِّ أَيِّ أَحدٍ أَنْ يختلف معها ومع آرائها، ولكنَّ الرَّأْي لا يُواجهُ إِلَّا بالرَّأْي، والحُجَّةُ لا تُقارع إِلَّا بالحُجَّةِ، والفكر لا يُردُّ عليهِ إِلَّا بالفكر، أَمَّا أَنْ يُواجه الفكر والرَّأْي ببلاغٍ وبِتُهْمَةِ ازدراء الأَديانِ، فهذا ما لا يُمْكِنُ قبولهُ، وكما قالت المُنظَّمة المِصريَّة لحقوق الإِنسان في بيانٍ لها: «إِنَّ البلاغ المُقدّم ضدّ فاطمة ناعوت هو عودةٌ لنظام «الْحِسْبَة»، والَّذي سَبَقَ وتمَّ تعديلهُ طبقًا للمادة الثَّالثة من قانون المُرافعات لانتفاءِ الصِّفَةِ والمصلحة لمُقدِّمِ هذا البلاغ، كما يُعْتَبَرُ هذا البلاغ بمثابة إِساءة للحقِّ في التَّقاضي بُغْيَة تَرْوِيع المُواطنين، ومنعهم من مُمارسة حقوقهم الأَساسيَّة، ومن بينها الحقّ فى حُرِّيَّةِ الرَّأْى والتَّعبير، الَّتى نَصَّ عليها الدّستور المِصريّ في المادة (65)، والَّتي تَنَصُّ على أَنَّ «حُرِّيَّة الفكر والرَّأْي مكفولةٌ، ولِكُلِّ إِنسانٍ حَقّ التَّعبيرَ عن رأْيهَ بالقولِ أَو الكتابةِ أَو التَّصوير أَو غيرِ ذلك من وسائل التَّعبير والنَّشرِ».
قال يُوسُف إِدريس ذات مَرَّةٍ: «إِنَّ الحُرِّيَّة المُتاحة في العالَم العربيّ كُلّهِ، لا تكفي كاتبًا واحدًا لمُمارسة إِبداعهِ بشكلٍ كاملٍ، بعيدًا عن القيود المُتعدّدة، الَّتي يَفْرِضُهَا على الكِتابَةِ، الاستبدادُ السِّياسيّ، والتَّصلُّب الفكريّ، والجمود الاجتماعيّ، والتَّعصُّب الدِّينيّ»، وعندما نُقارن ما كان يحدث في زمن يُوسُف إِدريس وما يحدث اليوم، نُلاحظ قدرًا مُتزايدًا من الوطأَةِ القمعيَّة لأَشكال الرِّقابة، الَّتي تُؤثِّر في النِّهاية تأْثيرًا سلبيًّا على حُرِّيَّة الفكر والإِبداع، ومن المُؤسف أَنْ تتَّخِذَ عمليات تقييد حُرِّيَّة الفكر والإِبداع أَشكالًا مُختلفةً في المُجتمعات العربيَّة، وهي أَشكالٌ تندرج تحت ما يُطلق عليهِ مَرّةً اسم المَصْلَحَةِ الوطنيَّة، وأُخرى اسم الدِّين، أَو الأَخلاق أَو المُجتمع، وفي يقيني أَنَّهُ لَيْسَ من حقِّ أَحدٍ أَنْ يعتبر نفسهُ وصيًّا على فكرِ أَو أَخلاق أَيِّ أَحدٍ، فالأَديان الرَّاسخة أَقوى من أَنْ تُزعزعَهَا تدوينةٌ، وأَثْبَتُ من أَنْ يُزعزعَهَا رَأْيُ كاتبٍ أَو صَحَفِيٍّ، وأَرسخُ من أَنْ يُزعزعَهَا فيلمٌ أَو رسمٌ كاريكاتيريّ، هذا فضلًا عن أَنَّ الله سبحانهُ وتَعَالى لَمْ يطلبْ من أَحدٍ أَنْ يُدافع عنهُ وعن الأَديانِ بالوكالةِ، فهو سبحانهُ قويٌّ قديرٌ، يستطيع أَنْ يُدافع عن نفسهِ وعمَّا أَنزلهُ.
 إِنَّ ما حَدَثَ ل «فَاطِمَة نَاعُوت» يُعْتَبَرُ مُؤشِّرًا على تدهورٍ نوعيٍّ جديدٍ لحُرِّيَّات الرَّأْي والتَّعبير، ويُنْذِرُ بموجةٍ جديدةٍ من موجات التَّكفير، وأَيُّ حديثٍ عن مِصر الرَّائدة لا معنَى لَهُ في ظِلِّ وجود عقليَّة إِرهاب المُبدعين وتخويف المثقّفين، ولا يُمكن أَنْ تتحقّق الثَّورة الدِّينيَّة الَّتي طَالَبَ بها الرّئيس عبد الفتَّاح السِّيسي في ظِلِّ هذا الإِرهاب المعنويّ، الَّذي يَتَعَرَّض لهُ مَنْ يجرؤ على التَّفكيرِ الحُرِّ، فَمِصر لَنْ تتقدّم إِلى الأَمامِ، ولن تكون في مصافِ الدّول المُتقدّمة في ظِلِّ ترويع المُبدعين وتخويف المُثقّفين وإِرهابهم بوعيدِ العِقاب وسُوءِ المآب. إِنَّ كرامة مِصرنا الغالية أَخذتْ في الضياعِ حين ضاعت الحُرِّيَّة العقليَّة والفِكريَّة والإِبداعيَّة، لقد فقدت مِصر صدارتها، ولم تَعُد لها مكانتها الرَّاقية بين الأُممِ، وما ذاك إِلَّا لأَنَّ التَّعصُّب ساد بدلًا من التَّسامُح، ولِأَنَّ العُنف غدا بديلًا للحِوار. إِنَّ حضارة مِصر آخذةٌ في الذِّبول، وما هذا إِلَّا لِأَنَّ التَّنوير قد انتكست وقدتهُ وشَحُبَ الضُّوء في منارتهِ، لقد أَصبحت مِصر في ذيلِ الأُممِ عندما اسْتُبدِلَ النَّقل بالعقلِ، ولُغة القمع بلُغةِ الحِوار، وأَوهام التَّخلُّف بأَحلامِ التَّقَدُّم، وقيود العبوديَّة بانطلاقةِ الحُرِّيَّة؛ فَزَادَ التَّكفير الدِّينيّ، والتَّخوين الوطنيّ، وفي ظِلِّ هذا المناخ المُعادي للحُرِّيَّات، لا يجوز للمُثقّف الحقيقيّ أَنْ يجلسَ في دِعَةٍ ويُؤْثِرَ السَّلامةَ مُنتظرًا من الحُكومة أَنْ تَعُدَّ قوانينها لمُواكبةِ الحُرِّيَّات في العالَم المُتقدّم، أَو أَنْ ينتظر أَنْ يُفَارِقَ الجمهور تعصُّبهُ الأَعمى الَّذي اعتاد عليهِ. إِنَّ الحُرِّيَّة تُنتزع انتزاعًا، لِأَنَّها ليست هِبَةً من سُلطةٍ أَو جماعةٍ، وإِنَّما هي حقٌّ لا يُمكن اكتسابهُ إِلَّا بِمُمارستهِ، فلا إِصلاحَ دُون حُرِّيَّةٍ فكريَّةٍ وإِبداعيَّةٍ، فَتَقَدُّمُ الأُممِ مُقترنٌ دائمًا بأُفِقِ الحُرِّيَّة المُتَّسع للمُفكّرين والمُبدعين، فَبِدون فتح نوافذ الحُرِّيَّة على مصراعيها، قُولوا على مِصْرِنَا السَّلام.
كِتَابٌ يَسْتَحِقُّ القِراءة
«هَلُمَّ نَبْنِي» تأْمُّلاتٌ في سِفْرِ حَجِّي، كتابٌ شيّقٌ وعميقٌ، كتبهُ الزَّميل الفاضل القسّ باسم عدلي، الرَّاعي المُساعد بالكنيسة الإِنجيليَّة الأُولى بأَسيوط، والكتابُ يَقَعُ في 145 صفحة من الْقَطعِ المُتوسّط، وهو أَحدُ إِصدارات دار الفكر الإِنجيليّ، نُصَلِّي أَنْ يُباركَ الرَّبُّ الكتابَ وكاتبهُ، مُتَمنِّين لهُ المزيد من العطاء المُثمر والخدمة المُؤثّرة.
آخر الْكَلَامِ
كَيْفَ للتَّديُّنِ أَنْ يَنْحَصِرَ فِي سِبْحَةٍ وَسَجَّادةْ؟
وَكَيْفَ لِلْجِهَادِ أَنْ يَكُونَ قَتْلًا بَعْدَ عِبادةْ؟
وَكَيْفَ لِلجنَّةِ أَنْ يَتَكَوَّنَ سُلَمهَا من جُثثٍ شُوِّهَتْ بِدَافعِ الإِبَادةْ؟
وَكَيْفَ للصَّلواتِ أَنْ  تُحْسَبَ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ وَالإِعَادةْ؟
وَكَيْفَ لإِيمَانِ الْمَرءِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَهَادةْ؟
وَكَيْفَ لِأُمَّةٍ مُتديّنةٍ تُصلِّي كثيرًا ثُمَّ تُغطيهَا الْبَلَادةْ؟
التَّديُّنُ فِي بِلَادِي مجالٌ فَضْفَاضْ
التَّديُّنُ فِي بِلَادِي يَعْنِي فِي الْفِكْرِ سَوادًا، وَيَعْنِي فِي الثَّوْبِ بَيَاضْ.
اللَّهُمَّ لَا اعْتِرَاضْ
                                القسّ مجدي رمزي
                     من صفحتهِ على الفيس بُوك.